عبد الملك الجويني

155

الشامل في أصول الدين

قلنا : هذا مما اختلف فيه الأئمة ، فصار صائرون منهم إلى تجويز ذلك ، وهو أحد جوابي القاضي ، وامتنع منه آخرون ، وإليه صار كافة المعتزلة . أما الذين جوزوا ذلك ، فقد تمسكوا بأن قالوا : أخص وصف علم الواحد منا كونه علما بمعلوم متعين مخصوص ، نحو كونه علما بسواد ، وعلم الباري سبحانه وتعالى متعلق بعين ما يتعلق به علمنا ، ويثبت له الوصف الذي هو أخص وصف علمنا ، ثم لم يلزم من ذلك تماثل العلمين ، وكذلك قال هؤلاء : أخص وصف الحياة - التي هي من صفاتنا - كونها حياة . وهذه الصفة متحققة بحياة الباري سبحانه وتعالى ، ثم لم يلزم من ذلك تماثل الحياتين . والذي ارتضاه القاضي منع اجتماع المختلفين في الأخص . قال : لو ساغ ذلك لساغ تماثل السوادين كونهما سوادين مع اختصاص أحدهما بصفة لا تثبت للثاني . وانفصل عما تمسك به الأولون حيث قالوا : أخص وصف علمنا تعلقه بمعلوم متعين . فقال : ليس ذلك أخص وصف للعلم ، إذ لو كان أخص وصف العلم كونه علما بالسواد ، للزم أن يؤثر المعلوم في العلم . وقد أطبق المحققون على أن المعلوم لا يؤثر في العلم ، ولا يقتضي له وصفا حقيقيا ، كما أن العلم لا يؤثر في المعلوم ، ولا يقتضي له وصفا حقيقيا ، بل يتعلق به على ما هو عليه ، فدل على أن خاص وصف العلم لا يرجع إلى تعلقه بمعلومه ؛ بل خاص وصف العلم بالسواد أنه على وصف وحال يقتضي له الاختصاص بمتعلق دون ما سواه . وهذا الوصف لم يثبت لعلم الباري ، فيلزم من الاشتراك فيه الاجتماع في الأخص وكذلك ليس يسلم القاضي أن أخص وصف الحياة شاهدا كونها حياة ، بل يثبت لها أخص على الجملة ، وإن لم يضع للإنباء عنها عبارة ، وسنبسط القول في ذلك في الصفات إن شاء اللّه . ومما يتصل بهذا الفصل ، أن قائلا لو قال : قد بنى القاضي منع اجتماع المختلفين في الأخص على استحالة كون العرض الواحد سوادا ، حلاوة . فلو قال قائل بتجويز ذلك ، فما وجه الرد عليه مع القول بإثبات الأحوال ؟ قلنا : قد سلك بعض الأئمة في منع ذلك طرقا منها : أنه لو جاز كون السواد حلاوة ، لم يمتنع أن يكون حركة ، علما ، قدرة ، ويلزم من ذلك اتصاف العرض الواحد بجملة من الأعراض ، وذلك يفضي إلى جهالات منها : أن كون العالم عالما بعد العلم بكونه أسود ، يدل على إثبات زائد على السواد الذي أحطنا به علما أولا وكذلك كون القادر قادرا ، إذ لو منعنا دلالة كون العالم عالما على العلم ، للزم طرد ذلك في السواد ، وهذا يفضي إلى نفي الأعراض ، ويحسم سبيل الأدلة عليها . والكلام في تفاصيل الأعراض ، إذا جرّ إلى نفي